أبي طالب المكي
118
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
جعل عليهم الصبر والرضا للملك . فمرجع العبد إلى الصمت والأدب في نفوذ المراد كما كان ، وترك العبد الفضول والاعتراض وحصل له مقام التوكل والرضا . ولذلك كان أبو محمد رحمه الله تعالى إذا قيل له : ما مراد الله تعالى من الخلق ؟ يقول : ما هم عليه . فكيف تريد ما لا يريد وهو محب لصفاته التي عنها تظهر المرادات ، ومنها تبدو الأحكام . ولا بدّ ممّا يكون كما لا بد ممّا كان . وكن منطو تحت كان ولولا كان لم يكن ، فكان أحب إليهم من كن لأنّ له ولهم مثل كن أمثال وليس لهم ولا له مثل كان مثل . فهؤلاء هم الذين لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ، وهم المحبون لله من عباده الزاهدون في ملكوته لوداده . وكذلك صنعوا مثل هذا فيما استخلفهم فيه من الأموال لما سمعوه يقول : وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ، فأخرجوا الكل لأجله . فكان هو خلفا لهم بعد أن كانوا وكلاء ، فإذا قالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل يقول الله تعالى لهم فانقلبوا بنعمة الله وفضل لم يمسسهم سوء ، واتبعوا رضوان الله رضي الله عنهم ورضوا عنه لأنهم عملوا بما قالوا ، فتحققوا بالإيمان . وقيل : إنّ الإيمان قول وعمل ، ولا ينوب القول عن العمل . وإذا قالوا : إياك نعبد وإياك نستعين قال الله تعالى : صدقتم لأنهم لا يخدمون ولا يذلون لسواه ، ولا يعدون للنوائب إلا إياه ، ولا يستعينون بغيره . ولذلك صاروا صدّيقين لتصديق الصادق لهم . كما بلغنا أنّ العبد ليقرأ قوله : إياك نعبد وإياك نستعين . فيقول الله تعالى : كذبت ولو كنت إياي تعبد لم تخف ولم ترج سواي ، ولو كنت بي تستعين لم تسكن إلى مالك وأهلك . وكذلك بلغنا أنّ العبد ليقرأ السورة من القرآن فتصلي عليه حتى يفرغ منها ، إذا عمل بها فهذا صديق . وأن العبد ليقرأ السورة من القرآن فتلعنه إلى أن يختمها ، إذا لم يعمل بما يقول فهذا كذاب . فأين الإيمان ؟ ولا إيمان إلا بعمل فليس هذا مؤمنا حقّا . فالأولياء حققوا القول بالعمل ، وشهدوا الإيمان باليقين . فإذا قالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر توكلوا عليه ورضوا عنه وتألهوا إليه . ولم يكن في صدورهم غيره فيقول الله تعالى : صدقتم . فيكونون صدّيقين كما يقول للشيء : كن فيكون . فتدبروا فإذا قال : ونعم الوكيل ، قاموا مقام التوكل فصار لهم في الصدق مقامات . يقول الصادق : صدقتم ، فيكونون صدّيقين . فيقول : عبادي ، أنتم خيرتي من ذوي ودادي ، وأنا وكيلكم رضيتم بي وأنا حسبكم ، فهؤلاء الذين انقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء ، واتبعوا رضوان الله فأعطاهم من الجزاء أربعة معان : النعمة والفضل والتوكَّل عليه وصرف السوء واتباع الرضا برضاهم عنه رضي الله عنهم ، فالحبيب يعتذر له . والعدو لا يقبل عذره . والمحبوب لا يحاسب . والمبغض لا يحسب له . وقد قال